مصطفى صادق الرافعي

232

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

الرسائل الطوال ، حتى لتقطع الشهادة عليها قطعا بما في نية صاحب الجواب من عزم أمره ووثاقة عقده ، فكأنها صورة واضحة لما استقر في نفسه من كل ما عسى أن يرجعه جوابا ، وما عسى أن يتهيأ له في باب الحزم ، وإنها لكلمة بمعركة ! . ومن هذا الباب قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « من همّ بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشرا ، ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة ، ولا يهلك على اللّه إلا هالك » فتأمل هذا التذييل العجيب ، فإنك لا تقضي منه عجبا ، ولن يعجز إنسان أن يهم بالخير ، يفعله أو لا يفعله ، وأن ينزع إلى الشر فيمسك عنه ، فإن عجز حتى عن هذا فما فيه آدمية ، ورحمة اللّه تنال الإنسان بأسباب من خيره ، ومن شره إذا كان فيه الضمير الإنساني ، وهذا في الغاية كما ترى . فصل الخلوص والقصد والاستيفاء أما فيما عدا هذين النوعين من الأوضاع التركيبية ، فإن نسق البلاغة النبوية يمتاز في جملته بأنه ليس من شيء أنت واجده في كلام الفصحاء وهو معدود من ضروب الفصاحة ومتعلقاتها - إلا وجدته في هذا النسق على مقدار من الاعتبار يفرده بالميزة ، ويخصه بالفضيلة ، لأن كلامه صلّى اللّه عليه وسلم في باب التمكين لا يعد له شيء من كلام الفصحاء ، فلا تلمح في جهة من جهاته ثلمة يقتحم عليه الرأي منها وتنساب فيها الكلمات التي هي من لغة النقد والتزييف أو بعض هذه الكلمات ، أو أضعف ما يكون من بعضها ، إذ هو مبني على ثلاثة الخلوص ، والقصد ، والاستيفاء . ( أ ) أما الأول فهو في اللغة ما علمت وفي الأسلوب ما عرفت مما وقفناك عليه وهو منفرد فيهما جميعا ، لأنه لم يكن في العرب ولن يكون فيمن بعدهم أبد الدهر من ينفذ في اللغة وأسرارها وضعا وتركيبا ، ويستعبد اللفظ الحرّ ، ويحيط بالعتيق من الكلام ، ويبلغ من ذلك إلى الصميم على ما كان من شأنه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا نعرف في الناس من يتهيأ له الأسلوب العصبيّ الجامع المجتمع على توثق السرد وكمال الملاءمة ، كما تراه في الكلام النبوي ، وما من فصيح أو بليغ إلا وهو في إحدى هاتين المنزلتين دون ما يكون في الأخرى على ما يلحقه من النقص فيهما جميعا إذا تصفحت وجوه كلامه وضروب الفصاحة فيه ، واعتبرت ذلك بما سلف ؛ وأبلغ الناس من وفق أن يكون في المنزلة الوسطى بين منزلتيه صلّى اللّه عليه وسلم . ( 2 ) وأما القصد والإيجاز والاقتصار على ما هو من طبيعة المعنى في ألفاظه ومن طبيعة الألفاظ في معانيها . ومن طبيعة النفس في حظها من الكلام وجهتيه ( اللفظية والمعنوية ) - فذلك مما امتازت به البلاغة النبوية حتى كأن الكلام لا يعدو فيها حركة